مرضي الإيدز و مأساة علاج أسنانهم في مصر

لما إستلمت عملي في مستشفي حميات إسكندرية ، عملت حملة  إعلانية متواضعه على الفيسبوك لتشجيع مرضي فيرس سي و الإيدز لزيارة العيادة و تلقي العلاج فيها ، ده لأني لقيت إن العيادة بتستقبل عدد متواضع جدا من الحالات برغم التجهيزات الممتازة (بالمقارنة بمستشفيات حكومية كتير أخري) في العيادة.
و قوبلت وقتها بتعليق في منتهي العنف من أحد الأطباء المشاهير جداً بسبب إننا مخصصين يوم لمرضي الإيدز بما يحمل في مضمونه أننا لا نلتزم بمعايير مكافحة العدوي التي من المفترض أن تكون سارية في كل الأيام و كل الأوقات و مع كل المرضي من مصابي الإيدز أو من غير المصابين بأي شيء.

و رددت وقتها أن هناك فارق بين سياسة مكافحة العدوي و بين معايير مكافحة العدوي ، و أن السياسة قد تقتضي تخصيص يوم لمرضي الإيدز و باقي أيام الأسبوع  لمرضي فيرس سي ، و هذا لا يعني مطلقاً أنها سياسة صحيحة تماماً .. و لكنها مطلقاً لا تخل بألتزامنا بمعايير مكافحة العدوي مع كل المرضي دون أي إستثناء.

و وضحت وقتها أيضاً أن السياسة هدفها في المقام الأول إرسال رسالة طمأنه لمرضي فيرس الإيدز بأننا لن نتهرب منكم كما يحدث في معظم -أو قل كل- مستشفيات و عيادات الأسنان الحكومية و غير الحكومية ، و لكن هذا أتي لي بمفاجأتين هم صلب ما أود كتابته هنا:

الأولي -و هي بالأحري مصيبة و ليست مفاجأه- أن معظم -أو كل- مرضي فيرس الإيدز (و كثير من مرضي فيرس سي) لا يعلنون لأطباء الأسنان -مطلقاً- بحقيقة مرضهم لعلمهم مسبقاً بأنه سيرفض علاجهم.
الثانية و هي أن أحدهم يوم الخميس السابق -أمس- يخاف بشده من نظرة المجتمع له بما فيها المجتمع الطبي من أول الأطباء المعالجين له مروراً بالصيادلة و إنتهاء بموظفي إصدار التذاكر العلاجية في إستقبال المستشفي ، و عليه فأنني أدركت أننا إنتهكنا -دون أن نقصد- خصوصية هؤلاء المرضي بالإعلان عن تخصيص يوم معين في الأسبوع.

إنني أمام مأزق حقيقي ، و هي أنني إذا عملت جهدي على إلغاء هذه السياسة الخاصة بتحديد يوم بعينه في الأسبوع لعلاج مرضي الإيدز من باب الحفاظ على خصوصية المرضي و إحترام حقهم في أن لا يعلم بحقيقة مرضهم أحد سواي أنا و سائر الأطباء المعالجين (فلا يجدوا أن العالم بأسره على الفيسبوك يعلم بأن من سيزور عيادة الأسنان بمستشفي حميات إسكندرية يوم الخميس هو بالضرورة مصاب بالإيدز) .. فأنني سأقع في فخ أن يمتنعوا عن زيارة العيادة أو يمتنعوا عن التصريح بحقيقة مرضهم لظنهم اننا سنتهرب إذا جاءوا في أي يوم في الأسبوع.

فما العمل ؟

أنا أظن أن تستمر هذه السياسة حتي يستعيد مجتمع مرضي الإيدز الثقة في الأطباء حتي و لو كان يمثل ذلك إنتهاك لخصوصية من سيأتي طوال مدة العمل بهذه السياسة مع الحرص على توعيتهم بأنها أشياء لا يجب الخجل منها ، و مواجهة مجتمع متخلف كمجتمعنا يتطلب شجاعه نادرة و الفرصة سانحة لأن نخبره أن مرض الإيدز ليس وصمة عار حتي لو كان سببه تجربة قاسية في تعاطي المخدرات أو علاقة غير شرعية مع طرف آخر. فهل الحياة شيء أخر سوي مجموعه من التجارب و الإختبارات؟! هل أحد بمنأي عن زيارة ملك الموت في أي لحظة سواء كان مريضاً بالإيدز ام لا؟!

بل أنا أظن أن الأفضل هو التمادي في هذه السياسة و نشرها على نطاق أوسع في الإسكندرية مما يشجع المزيد من المرضي بهذا الفيرس على التحلي بمزيد من الشجاعه لمواجهة المجتمع حين يجدو أنفسهم ليسوا بأقلية يوم الخميس و بأن عددهم ليس بالقليل، كما يحدث الأن بالفعل مع مرضي فيرس سي فيثقوا في أن الطبيب المتهرب من علاجهم ما هو إلا طبيب فاشل و جاهل.

معلومة على الهامش للقارئ الذي يظن السوء في كل مصاب بالإيدز : إن مرض الإيدز ينتقل أيضاً في الحوادث أثناء نقل الدم الملوث إلي المصاب في الحادثة ، أو حتي في مشاجرة عادية يستخدم فيها أحد الأطراف سكينته الملوثه لإيذاء وجه خصمه فينقل له بقصد أو بدون هذا المرض و هو مرض غير حصري على المدمنين و رد السجون و مرتادي بيوت الدعارة.

Bookmark the permalink.

أترك تعليقك