محارق النفايات الطبية الخطرة

ومع الازدياد الواضح في الكميات المنتجة من النفايات كل يوم تصبح العملية الردم الصحي مكلفة جدا..

  • زيادة كمية النفايات في الدول الاتحاد الأوروبي بنسبة 10 % من سنة 1990 إلى سنة1995 والزيادة ستصل إلى 20 % مع سنة 2010.
  • دول شرق أوروبا مثل سلوفاكيا والتشيك وبلغاريا ورومانيا والمجر وبولندا والتي شهدت نمو واضح في اقتصادها، هذا النمو سيسبب في زيادة ضعف كمية النفايات المنتجة مع سنة 2010.
  • يحتمل أن تتضاعف كمية النفايات المنتجة من العواصم والمدن الرئيسية في دول أسيا مع سنة 2025.

المحارق لها مقدرة كبيرة في التقليل وإنقاص كمية النفايات المعدية والتي تشكل خطورة على الصحة العامة والأفراد ولكنها في نفس الوقت وفي حالة وجود خلل أو عدم القيام بها بوجه سليم هناك احتمالات كبيرة في ظهور أضرار نتيجة المعالجة قد تكون أثارها سلبية ومدمرة للبيئة المحيطة. فبعض أنواع المخلفات الطبية تحتوي على كميات من الكلور ومواد التعقيم والمعادن الثقيلة والتي تحت ظروف حرق ومعالجة معينة ينتج عنها غازات وأبخرة سامة جدا إلى الهواء الجوي.

السؤال الذي يرد في أذهاننا دائما هو ما هي أفضل أنواع المحارق التي يمكن لنا الاعتماد عليها في معالجة خطورة النفايات بدون الأضرار بالبيئة؟

هنالك العديد من الاعتبارات والعوامل والمتطلبات تتحكم فينا عند اختيارنا لأفضل طريقة معالجة أو أفضل نوع لمحرقة يمكن لها بها التخلص من المخلفات الطبية وأضرارها  منها:

  • الفاعلية في التخلص من العوامل الممرضة.
  • الاعتبارات الصحية والبيئية.
  • اعتبارات السلامة والصحة المهنية.
  • حجم وكمية المتبقي من النفايات بعد المعالجة.
  • كمية النفايات المراد التخلص منها أو معالجتها.
  • نوع النفايات المراد التخلص منها أو معالجتها.
  • متطلبات البنية التحتية.
  • توفر التقنية محلياً.
  • الاختيارات المتاحة لعملية التخلص النهائي.
  • متطلبات التدريب وتأهيل العاملين لطرق المعالجة.
  • إجراءات عمليات الصيانة.
  • الفضاء والمساحات المتاحة.
  • موقع محطات المعالجة والمناطق المحيطة.
  • الميزانية، التكلفة والاستثمار.
  • الرضا والقبول العام من قبل المجتمع.
  • اللوائح والإجراءات التشريعية القانونية.

سأتكلم باختصار في هذا الدراسة عن مزايا وعيوب المحارق كما جاء في عدة منشورات ومطبوعات لمنظمة الصحة العالمية.

المحارق عبارة عن طرق للحرق الجاف للنفايات بوجود الأكسجين بدرجات حرارة عالية الهدف منها تحويل المركبات العضوية والمواد القابلة للاحتراق إلى مواد غير عضوية وغير قابلة لاحتراق ينتج عن ذلك تقليل من حجم ووزن النفايات. ويمكن إجراء عملية الإحراق بطريقة تعويضية يتم فيها استرجاع قسم كبير من الحرارة وبخار الماء الناتجة عن الحرق والاستفادة منها في أنتاج الطاقة الكهربائية وبذلك تنقص تكلفة التشغيل للمحارق.

تستعمل المحارق عادة مع النفايات التي لا يمكن الاستفادة منعا أو التي لا يمكن إعادة تصنيعها، وتختلف المحارق عن بعضها حسب النوعية والحجم والوظيفة المختارة لها وفعاليتها في القضاء على مسببات أو عوامل المرض

 وهنالك من ناحية التركيب عدة أنواع من المحارق:

 1- محارق البرولويتك المزودة بمصفيات للغاز (Pyrolytic incineration with an efficient gas cleaning):

محارق ذات غرفة مزدوجة من مزاياها القدرة العالية في التعقيم بالأخص عند التعامل مع المخلفات الطبية المعدية وبعض المخلفات الصيدلانية والكيماوية، درجة حرارتها من 800-900 مئوية و لها قدرة استيعابية من 200 كجم/اليوم إلى 10 طن/اليوم وهذا يرجع لحجم المستشفيات وعادة ما تستخدم المحارق بقدرة 1 طن/ اليوم للمستشفيات الكبيرة. رماد المحارق يمكن ردمها بدون ترك أضرار ومن عيوبها التكلفة المالية العالية لإنشائها  واحتياجها للتقنيات عالية جدا لتشغيلها والمعالجة لا تقضي على خطورة النفايات الطبية المشعة والتي تتجمع مع الرماد.

2- محارق ذات الحجرة الواحدة مع أجهزة تقليل الغبار (Single chamber with dust reduction):

هذه المحارق مختلفة الأنواع والأشكال فمنها أنواع بسيطة وأنواع أكثر تطور  لها قدرة عالية في التعقيم والتقليل من حجم ووزن المخلفات والرماد الباقي يمكن ردمه، فعالة في معالجة المخلفات الطبية المعدية بما فيها المخلفات الحادة ولا تحتاج لتقنيات عالية لتشغيلها، وأقل تكلفة في التشغيل، ومن عيوبها إنتاجها لكميات كبيرة من الأبخرة والتي قد تحتوي على غازات سامة مثل الديوكسين إلى الهواء الجوي ودرجة حرارة أقل من 800  درجة مئوية الغير الصالحة للتخلص من المخلفات الأدوية السامة (Cytotoxic drugs) والمخلفات الطبية المشعة وغير فعالة مع بعض المركبات الغير عضوية والمقاومة لدرجات الحرارة العالية. عادة دراجات الحرارة بهذا النوع تتراوح من 300-400 درجة مئوية والقدرة الاستيعابية من 100-200 كجم/اليوم ولا يفضل استعمال هذا النوع في الدول التي تعاني من مشاكل تلوث الجوي.

3- محارق دوارة ذات دراجات حرارة عالية (Rotary Kilns incinerators)

محارق ذات أسطوانات حرارية دوارة من 2-5 مرة في الدقيقة، الأسطوانة لها ميول بزاوية صغيرة متجه للأعلى، وتزود بالنفايات بعد ما يتم تقطعيها إلى جزئيات صغيرة. هذا النوع فعال مع المخلفات الطبية المعدية بما فيها المخلفات المعدية الحادة والمخلفات الباثولوجية والمخلفات الكيميائية والصيدلانية بما فيها مخلفات العلاج الكيماوي وغير فعالة مع المخلفات الطبية المشعة والمخلفات المحتوية على كميات كبيرة من المعادن الثقيلة والتي ينتج عنها أبخرة سامة مثل الرصاص والكادميوم والزئبق. الحرارة في هذا النوع تتراوح من 1200-1600 درجة مئوية والقدرة الاستيعابية تتراوح من 0.5 إلى 3 طن/الساعة. مكلفة وتحتاج لتقنيات عالية وفنيين مؤهلين وتحتاج لصيانة دورية منها تغير الأسطوانة الحرارية الدوارة على فترات.

Rotary Kilns incinerators
Rotary Kilns incinerators

4- المحارق الصغيرة الحجم (Drum or Brick incinerator)

أبسط أنواع المحارق وتسمى أحيانا بالمحارق الحقلية فهي عبارة عن  برميل من الحديد أو الحجارة مفتوح الجانبين توضع فيه أكياس المخلفات المراد التخلص منها، والبرميل موضوع على شباك لدخول الهواء فوق حجارة تتحمل الحرارة ويتم إشعال النار في الحطب تحت البرميل، لها مقدرة عالية في التقليل من وزن وحجم المخلفات ويمكن ردم الرماد ولا تحتاج إلى شخص مؤهل لتشغيلها وقليلة التكلفة، يمكن لها القضاء على 99 % من الميكروبات  ولا يمكن لها القضاء الكامل على الكيماويات والصيدلانية فأغلب الأحيان لا تصل درجة الحرارة إلى 200 درجة مئوية، من عيوبها إنتاجها لكميات كبيرة من الأبخرة السوداء والرماد المتطاير والغاز، يسمح بها في بعض الدول النامية لقلة تكلفة التشغيل. وهي الحل الأخير الذي يمكن اللجوء إليه في حالات الطوارئ عند انتشار الأوبئة وتستخدم فقط مع المخلفات الطبية المعدية وينصح بوضع شباك ضيق على البرميل لمنع الرماد من التطاير.

5- المحارق المتنقلة (Mobile Incinerators):

محارق متكاملة ذات تقنيات عالية موضوعة على عربات خاصة، حيث تنتقل العربة إلى مصادر المخلفات الطبية كالمستشفيات، هذه طريقة حديثة وتستعمل حالياً في بعض الدول ومن مزاياها تجنب نقل المخلفات الطبية خلال الشوارع وتكون مزودة بمصفيات تعمل على تقليل الغازات السامة والغبار المتطاير من عملية الاحتراق.

هذا من حيث أنواع المحارق ، أما من حيث الحجم فيتم تقسيم المحارق حسب وكالة حماية البيئة الأمريكية إلى محارق صغيرة  بسعة أقل من 91 كجم/الساعة من النفايات، ومحارق متوسطة بسعة 91-227 كجم/الساعة، والمحارق الكبيرة والتي تتعامل مع كمية نفايات تفوق 227 كجم/الساعة.

حتى بوجود المحارق الجيدة لا يمكن حرق كل أنواع النفايات على سبيل المثال لا يمكن حرق أملاح الفضة والنفايات الفوتوغرافية والنفايات المشعة وبعض النفايات الكيميائية الشديدة التفاعل وبعض المركبات الهالوجينية كالبلاستيك المحتوي على بي في سي والنفايات المختلطة بالمعادن الثقيلة كالزئبق وأسطوانات والعلب المضغوطة فهذه كلها تسبب عند حرقها مضار للبيئة.

أما خصائص النفايات التي يمكن حرقها فهي كالتالي:

  • نفايات تحتوي على مواد قابلة للاحتراق فوق 60 % من أجمالي الكمية.
  • نفايات تحتوي على مواد صلبة غير قابلة للاحتراق بنسبة أقل من 5 % من أجمالي الكمية.
  • نفايات تحتوي على مواد ناعمة غير قابلة للاحتراق بنسبة أقل من 20 % من أجمالي الكمية.
  • نفايات تحتوي على مستوى رطوبة أقل من 30 % .

أكثر عيوب المحارق وخاصة ذات الدرجات الحرارة المنخفضة (أقل من 800 درجة مئوية) هو انبعاث الأبخرة السامة ومن أهمها وأخطرها الديوكسين والذي ينتج عند حرق النفايات التي بها مركبات الكلور.

الديوكسين عبارة عن مجموعة من المركبات لها تأثيرات ضارة على الصحة والبعض منها ربما تكون قاتلة حتى بتراكيز  قليلة، وإعراضها المرضية تتفاوت من الالتهابات الجلدية البسيطة إلى اضطرابات في الجهاز المناعي والغدد الصماء والجهاز العصبي وتغييرات جينية وغيرها. والمعروف عن الديوكسين أنه يتراكم بصفة خاصة في الدهون والكبد وأنسجة الجلد، ويمتص الجسم 90-95 % من الديوكسين خلال الشبكة الغذائية والذي يأتي من استهلاك اللحوم ومنتجات الألبان، أما امتصاص الديوكسين عبر الجلد أو عن طريق التنفس فهو قليل جدا.

العديد من الدراسات نوهت بمخاطر التلوث من المحارق وخاصة  للأشخاص القاطنين قرب تلك المحارق من حيث أنهم أكثر عرضة للإصابات الناتجة من استنشاق الغازات الملوثة للهواء الجوي أو بسبب استهلاك المواد الغذائية أو الإصابات الجلدية بسبب الاحتكاك بالتربة الملوثة.

ففي بريطاني وأسبانيا واليابان  لوحظت زيادة في نسبة الديوكسين في أنسجة القاطنين قرب المحارق بمقارنتها بالآخرين، كما أشارت دراسة فنلندية أن هناك زيادة ملحوظة  في نسبة الزئبق في شعر السكان القاطنين قرب المحارق، كما وُجدت نسب عالية من مركبات الديوكسين في أنسجة العاملين في المحارق الحديثة والقديمة نتيجة لتعرضهم اليومي خلال العمل للرماد، وزيادة في بعض الأمراض السرطانية مثل سرطان الجلد في السكان المحيطين بالمحارق في فرنسا، ونسب زيادة بستة أضعاف لحالات الوفاة بسرطان الرئة في ايطاليا. كما أشارت دراسة في اسكتلندا أجريت على السكان قرب محرقتين بأن التلوث الناتج منها قد يكون السبب في زيادة نسبة ولادات البنات بمقارنة بالمناطق الأخرى البعيدة، ودراسة ألمانية وجدت انخفاض في نسبة هرمون الغدة الدرقية، والعديد من الدراسات الأخرى التي أكدت مسؤولية الغازات المنبعثة من المحارق في أحداث العديد من المشاكل الصحية والمهنية .

المخلفات الطبية تحتاج لدرجات حرارة عالية للتخلص من أضرارها، ودرجات الحرارة المطلوبة تتفاوت على حسب نوع المخلفات،  فالمخلفات المعدية من الأعضاء البشرية المستأصلة تحتاج لدرجات حرارة 800- 900 درجة مئوية أما في حالة تعاملنا مع المخلفات الطبية الصيدلانية فبعض منها يحتاج لدرجات حرارة لا تقل عن 1200 درجة مئوية كما هو موضح بالجدول،

أمثلة للأنواع الأدوية الكيماوية والحد الأدنى لدرجات الحرارة التي يمكن بها تكسيرها والتخلص منها.
درجة الحرارة المئوية الدواء درجة الحرارة المئوية الدواء
1200 5-Fluorouracil 1000 Aclarubicin
700 Idarubicin 260 Amsacrine
900 Cyclophosphamide 800 Chlormethine
1000 Vindesine 500 Dacarbazine

ومن مشاكل الحرق عدم التجانس في نسب التي تتكون منها المخلفات فلو زادت مثلاً نسب البلاستيك فتزداد بذلك نسب الغازات شديدة التلوث للهواء الجوي مثل كلوريد الهيدروجين علية يجب معالجة الغازات المنبعثة قبل خروجها للهواء الجوي عن طريق مصفيات أو عن طريق غسل لتلك الغازات بواسطة رذاذ الماء فينحل الغاز في الماء وتخرج الغازات نظيفة بعد الغسل.

في العديد من دول العالم وبسبب خطورة وأضرار الأبخرة السامة المنبعثة من المحارق على البيئة وصحة المجتمع وضعت معايير صارمة حدُدت بها كميات الغازات السامة والمسموح بانبعاثها من المحارق، وهذه المعايير إجبارية بالقانون للشركات المتخصصة والمستشفيات عند اختيار نوعية المحرقة، والجدول  الأتي يبين المعايير الموضوعة في الاتحاد الأوروبي للكمية الإنبعاثات المسموح بها لبعض المواد السامة:

المواد المنبعثة معدل في أربع ساعات (mg/m3 )
الزئبق 0.05
الكادميوم، التاليوم 0.05
الرصاص، كروم، النحاس 0.5
النيكل والزرنيخ 0.5
الديوكسين وفيوران 0.1

العديد من المنظمات البيئية على مستوى العالم برزت خلال العشر السنوات الأخيرة نوحت بمخاطر المحارق وما تنتجه من أبخرة سامة وبالذات المحارق التي تتعامل مع المخلفات الطبية حتى الحديثة منها والتي يوجد بها مصفيات الغازات المنبعثة والغبار،

الإنبعاثات الناتجة عن المحارق بوجود المصفيات أو بعدم وجودها .
الملوث التركيز التركيز بوجود مصفيات
كلوريد الهيدروجين 430 ppmdv 50 ppmdv
أول أكسيد الكربون 150 ppmdv 50 ppmdv
الديوكسين 57 ng/m3 0.5 ng/m3
الغبار 6,300 g/m3 20 mg/m3
ثاني أكسد الكبريت 400 mg/m3 260 mg/m3
هيدروكربون عطري 70 μg/m3 5 μg/m3
فينولات ثتائية مكلورة 3 μg/m3 1 μg/m3
فينولات مكلورة 2.7 μg/m3 1 μg/m3
الرصاص 34,000 μg/m3 50 μg/m3
الكادميوم 1,500 μg/m3 100 μg/m3
الزئبق 320 μg/m3 200 μg/m3
الزرنيخ 130 μg/m3 1 μg/m3
الكروم 2,000 μg/m3 10 μg/m3

ونادت تلك المنظمات للانتقال إلى طرق بديلة عن المحارق مثل التعقيم البخاري والتعقيم الجاف والتعقيم بواسطة الميكروويف وأخرها التخلص من النفايات بواسطة تقنية البلازما وهي أحدث الطرق والأكثر فاعلية والتي تضمن التخلص النهائي من النفايات بدون الانبعاثات السامة. بعض الدول منعت نهائياً عملية معالجة النفايات بواسطة المحارق مثل الفلبين والتي تعتبر الدولة الأولى التي سنت قوانين في هذا المجال تدعو فيه إلى منع حرق النفايات العادية أو الخطرة أو الطبية وإلى الانتقال للطرق المعالجة البديلة.

وأخيرا يمكن لنا القول أنه لا زالت طرق المعالجة والتخلص من النفايات الطبية بواسطة المحارق الحديثة أفضل بكثير من رمي النفايات في ساحات التجميع والمكبات المفتوحة بدون معالجة، وربما  في دولنا العربية وبوجود المساحات الشاسعة قد تكون مشكلة التلوث من المحارق أقل حدة منها في الدول الأوربية، لو عرفنا كيف نختار المحرقة وكيف نختار المكان المناسب لها، ومع التطور التقني الذي يمر به العالم يمكن لنا التخلص من مشاكل النفايات بمختلف أنواعها في حدود السلامة العامة لو توفرت الرغبة الصادقة والميزانية الداعمة.