حنان

تقف حنان كل يوم و على كتفها رضيعها كريم تنتظر “مواصلة” تقلها إلى العمل.- هى أقرب فى وصفها – إن وصفت- بالمتهالكة .. لا يهم- هى فى الأصل تسمى “ربع نقل”،صنعت لنقل من سوى بني البشر من الحيوانات و البضائع .. لايهم- هي تدفع شهرياً لقاء نقلها ما يربو عن ربع دخلها الشهري .. لا يهمما يهم هو أن تذهب حنان إلى العمل،،يوم هذه السيدة لا يقل قسوة عمن هم سواها من موظفي مصر .. بل هى بالكاد أحسن حالاً ،لأنها على الأقل راضيه بما قسمه الله لها.حنان ممرضة بمستشفى -أو هكذا يسمونها- قرية أبو سيدهم مركز سمالوط بمحافظة المنيا .. هى فى الواقع المسئولة -و أى مسئولية- عن عيادة الأسنان بالمستشفى.تأتي للعمل باكية يوم و مريضة يوم و سعيدة منتشيه يوماً آخر، و هذه قصتها فاسمعوها….هذه السيدة كان زوجها يعمل فى شرم الشيخ و بأعتبارها مدينة سياحية فكانت توفر له و لأسرته دخلاً ممتازاً – إذا ما قورن بدخله الحالي- و كانت حنان حاملاً حينها ،ثم إمتدت يد القاعدة الى المدينة بتفجيرات عام 2005 لتلقي به إلى المنيا مجدداً بعد أن طردته أجهزة الأمن ،تماماً مثل ترحل سلطات الهجرة مهاجراً غير شرعي إلى موطنه الأصلي.و يعود الرجل و يعود معه الفقر ،باع بيتهم الذى إشتراه أيام العز ليشترى بثمنه “توك توك” يعمل عليه و ليعود إلى بيت الفقر القديم الذى هجراه منذ أن فتح الله على الرجل.و تعود هذه السيده بعد إجازة ولادتها الأخيرة لتقتات على قروش وظيفة الحكومة، و تبدأ يومها بمشوارٍ قاسي و رضيعها على كتفها لتلك القرية النائية بأقصى غرب سمالوط قادمة من بيتها شرق المدينة.مأساتهاتتلخص مأساة هذه الأم الممزقة فى بعض أن بعض المفكرين و الكتاب لا يزالون يطالبون بمساواتها بالرجل، و لأن هؤلاء البهوات يفطرون بما أنعم الله عليهم من كرواسون و نسكافيه باللبن، و لأنهم يركبون سياراتهم الفارهة و يتقاضون مرتباتهم الخيالية ،فهم بالتأكيد لا يجدون مشكلة فى أن تعمل زوجاتهم لأن رواتبهم تؤمن مربية -بمفهومهم المهلهل عن التربية الحقيقية- فهم يكتبون ليل نهار عن الظلم الذى تتعرض له المرأة و كيف أن الرجال يقهروها و يذلوها و هم يعلمون تماماً (و حسبي الله فيهم و نعم الوكيل) من ذا الذي يذل الشعب المصري و من ذا الذي يقهره و يسرق قوت يومه.و لو أن زوجة إحداهم ركبت سيارتها المكيفة و قطعت بها نصف المشوار الذي تقطعه حنان ،لعادت و أخرست لسانها و لسان زوجها الذى يطالب بتوفير المزيد من فرص العمل للمرأة بزعم مساواتها بالرجل.مأساتيو أنا لا أخفيكم سراً أتضايق من هذا الوضع أيما ضيق، فلك أن تتخيل أن الممرضة التى تمثل ساعدي الأيمن، على كتفها رضيع يبكي و يعلو صراخه إذا ما قرصه الجوع ، لا يهمه سوى ثدي أمه ،و أمام صراخه تتكسر لدي كل مواقف الحزم و الردع التى إعتدت أن أتخذها حين أشعر أن زمام الأمور سيفلت من يدي.و لكن أعود و أقول كيف لي أن أتسبب حتى في “لفت نظر” لهذه التعيسة و أنا أعلم حالها جيداً … فتهزمني شفقتي عليها و لا أفعل شيئاً إلا الصياح فيها و طلب ممرضة أخرى و أنا بداخلي لست إلا طبيب مهزوم.الختاملا أجد فى ختام مقالي إلا أن أقف و أقولها بأعلى صوت ، ألا لعنة الله على من يطالبون بمساواتك بالرجال يا حنان … ألا لعنة الله على من كانوا السبب فى طرد زوجك و قطع لقمة عيشه و راحة بالك … ألا لعنة الله على من إستبدلوا أقلامهم بأقلام غربية فاسده.

خريطة لمحافظة المنيا و رحلة عملها التى تبدأ من مركز سمالوط (لاحظوا أن الخطوط الحمراء أو السوداء تعني سيراً على الأقدام و الأخرى الزرقاء بالمواصلات)قد تود تكبير الخريط أو إعادة ضبطها نحو قارة أفريقيا و منها إلى مصر لترى العلامات الإرشادية

حجم أكبر للخريطة

6 thoughts on “حنان”

  1. يااالله … كل هذه المسافه تقطعها يومياً ؟؟

    لله درك ياحنان وكان الله في عونك … بنصف أجر عمليه تجميليه يتبرع بها أحد تجار العرب لأحد الفنانات المائلات المميلات , يمكن شراء باص 20 راكب ينقل حنان واخواتها ..

    ولكن لو سألنا لحنان المساعده قالو لماذا لا تعمل ؟؟ الشغل ماهو عيب ياكسول

  2. لا أعلم لم لحظت في تدوينتك هجوماً غير مبرر على عمل المرأة
    بعيداً عن قصة حنان وعن تعاطفي معها بالتأكيد ولكن لماذا ذلك الهجوم؟؟؟
    حنان عملت بمحض إرادتها لتعيش بكرامة… ولم تعمل لتتحدى قوانين الطبيعة وتحقق المساواة المنشودة
    فأين الخلل في تصرفها؟؟؟

  3. انا لم أطلب لها صدقة من هؤلاء المتبرعين أخى إبراهيم و لا أهاجمها لأنها تريد العيش بكرامة أختى هبة
    و لكن المغزى الذي لم يصل إليكم هو أن مطالبات مساواة المرأة بالرجل عبر العصور إنتهت برجل مطرود يقتات من توك توك -و أهل مصر أدرى بدخل هذا العمل- ، و بزوجة ترونها كما تروا…

    – أولم يكن الزوج أولى بهذه الوظيفة ؟
    – أولم يكن المكان المناسب لحنان و رضيعها هو المنزل؟

    و أخيراً … نعم يا دكتورة أنا ضد عمل المرأة إلا باستثناءات محددة و ضيقة جداً

  4. إذا كنت ضد عمل المرأة باستثناءات معينة
    فاعتقد أن حالة حنان هي الأولى بالعمل
    نظراً لظروف الزوج ولمستواهم المعيشي
    إن لم تكن تلك هي الاستثناءات فما هي إذن؟؟

    أصطحاب رضيعها للعمل بالتأكيد خطأ كبير ودليل كبير على أن ظروفها لا تسمح بالعمل لكن بالمقابل تلك الأسرة بحاجة إليه لتعيش

  5. لا .. طبعاً حنان لا تقع تحت طائلة الإستثناء -و التى سأفرد لها تدوينة مستقلة بأذن الله- ، و إنما الأولى أن توفر البلد للزوج عملاً كريماً و دخلاً ميسوراً يكيفه و يغنيه عن -بهدلة- زوجته ،و يؤمن لأولاده مناخاً جيداً للتربية … بدلاً من الإنفاق على أصحاب الأقلام المأجورة ممن يطالبون بتوفير المزيد من فرص العمل للنساء ،لا لشىء سوى أن نكون دول متحضرة و راقيه مثل الغرب.

Comments are closed.